يده تستخرج الوقت من بئر مهجورة - فاروق يوسف / السويد

يأتينا دلير شاكر هذه المرة من جهة غير متوقعة. هل كان رساما في أوقات سابقة؟ الان يبدو السؤال متأخرا. "الوقت يهزمنا" يقول لك كما لو أنه يرى وحده شيئا لا يراه أحد أخر. نبوءة مرتجلة عن حياة صارت تذهب إلى غيابها من غير أن يستطيع أحد ما أن يأسرها أو يستعيد هذياناتها. شيء كالبرق مسرعا يجتاح رسومه من الجهات كلها. فيما الساعات التي يرسمها لا تقوى على حمل الذكرى: شقية تلك الذكرى أم هانئة. لا فرق. "لقد هزمنا الوقت" ليس أمام هذا المنفي المقتلع من حواسه كلها سوى الإعتراف بهزيمته الإنسانية. وهي هزيمة يسعى الآن إلى أن يصنع منها درسا جماليا، بالمعنى الذي يجعل منها فاتحة للتعرف على واقعة محصنة بغموضها، يقف الوصف أمامها عاجزا عن ارتقاء درجات سلمها. لذلك فإن رسوم دلير تتشبه بالوشاية التي تمتزج أصوات كلماتها بأشكال هي في طريقها إلى الإختفاء. أشكال مهشمة، ذائبة، ممتزجة بفتاتها ومصفاة من حكايات هلعها وشجنها. تمتحن زخارفها قدرتها على النأي بنا كما لو أنها تتوارى خلف ركام من المصائر المتقاطعة. حبن تتسلل إلينا بخفة فانها تزيح قشرة ميتة عن إماكن في أعماقنا كانت إلى وقت قريب هامدة. بحدسها تقاوم الصورة الممكنة. تلك الصورة الميتة التي تذكر تفاصيلها بأياد كثيرة تماهى دلير معها كثيرا في رغبة منه للقبض على معجزاتها الفاتنة. حرصه على أن لا يقف خارج المحترف الفني العراقي دفع به إلى بث الروح في مناطق جمالية شبه لنا أنها أصبحت نوعا من الذكرى. رسام لا يعترف بالقطيعة. هو أبن الوقت الذي حكم عليه بالفناء. يستخرج دلير مفرداته المهشمة من أعماق بئر مهجورة. يده تهب تلك اللقى لمعان معنى مختلف. هو عينه معنى الذهاب إلى المجهول بقدمين تتعثران بتلفتهما المريب. ياخذ دلير معه شيئا من الماضي ليحاكي جنونه ولعنته ولكنه يعرف أن اللعبة كلها قد انتهت إلى الخسران. فالوقت الذي هزمنا لا يزال يقف في إنتظارنا بالقوة ذاتها. رسوم دلير هي وليدة العيش في ذلك البرزخ الحائر والمحير. تقول تلك الرسوم لنا شيئا عن ماض عشناه سعداء ولكنها لا تعدنا بسعادة محتملة. مهمومة مثلنا تحمل بين ثنياتها وهما نحرص على أن نعيد انتاجه كل لحظة: العراق الذي فلت من بين أيادينا في لحظة رجاء مثل طائر جريح.


فاروق يوسف