جيلان في تلويحة وداع - فاروق يوسف

من الصعب النظر إلى لقاء رسامين إلا من خلال ما يمارسه الرسم من مكر. ليس مهما هنا أن يكون سالم الدباغ ودلير شاكر من جيلين مختلفين. فلا الدباغ يراهن على قديمه ولا شاكر يضع جديده على المذبح. فكرة الانسجام بين التجربتين قد لا تكون مطلوبة لذاتها.

هناك ما يتجاوزها إلى محاولة تخلي الإثنين عما يقيدهما إلى أسلوبهما الذي صار متاحا أكثر مما يجب. وهو ما يجعلني أشعر أن الإثنين قد تجددا من خلال حوارهما الذي لا أعتقد أنه كان يسيرا أو هينا. قد يكون الامر خفيفا بالنسبة لدلير وهو الماهر في اختبار أدواته الفنية تجريبيا، غير أن ما أعرفه عن سالم، هو أنه كان دائما إنسانا صعبا إذا ما تعلق الأمر بالرسم. إخلاصه للرسم كان عنوان حياته التي لم تكن نزهة مرحة. ربما لأنه لم يشعر يوما بالإحباط، ربما لأن ثقته بالرسم لم تتزعزع فإن شعورا بالخطر لم يكن يراود المعجبين بفنه، بالرغم من كل الظروف الصعبة التي عاشها في بلد انتزعت منه براءة الجمال وحكمة الخلق. دلير وهو ابن فنان محترف يدرك أن شقاء سالم لا يعادله أي شقاء آخر، لذلك لم يمش في ظله وهو الفنان الذي كرس تجربته في الرسم، على الضد من قدره خزافا. مشى دلير كعادته في طريق موحشة وهو ما جعله مؤهلا لاستئناف صلة روحية، كانت قد انقطعت بوفاة والده. هذا لا يعني أن الدباغ هنا يمثل الأب المفقود، بقدر ما يفسر تجربة دلير في هذا المعرض كلها، وهو الذي اختار أن يُرَكب بطريقته الخاصة قاربا، هو أشبه بالقوارب السومرية، وإن كان يتشبه بها شبحيا. هناك طوف خشبي صنعه دلير ليكون بمثابة خشبة خلاص مزدوج. سالم بصمته العميق ودلير بصرخته المتمردة. لن يقول الاثنان الشيء نفسه، غير أن أحدا منهما لن يخفي اعجابه بما قاله الآخر. هذا المعرض على المستوى الأخلاقي هو رسالة وفاء متبادل بين جيلين، غير ان المساحة التي يخلقها الجمال تتخطى ذلك المستوى لتصنع تلويحة وداع لبلد لن يصل إليه قارب.

فاروق يوسف
لندن. تموز 2016