ظلال الأمكنة - سهيل سامي نادر

ما يختفي عند الفنان دلير أكثر مما يمكن البوح به . إنه يلتزم ببناء عمل فني لا تمسكه ولا تحدده رواية ما حتى لو انطلق من تجربة يمكن ان يحدثنا عنها وهو واثق من ان هذا ما حدث له وليس غيره. 

الفن يختزل التجربة .. وطريقة دلير الاختزالية هي التعبير بالنسيج ، وتعدد هذا النسيج ، بتشكلاته وموحياته. النسيج هو لونه العاطفي ، ويتكون من مواد مختلفة ، لكن الاهم عنده ، هو المعالجات الفنية لبناء لوحة تهيمن عليها الدلالات الجمالية . كان هذا واضحا في تجربته السابقة ، أما في تجربته الجديدة هذه ، فيحافظ على المكتسبات القديمة ، مشركا معها دلالات تعبيرية عاطفية خاصة بتجربته الشخصية التي لا تخلو من تفكرات في الامكنة بوصفه مهاجرا. لقد منح للنسيج دلالات معركته في الحياة. 

ما يتضح في تجربته الجديدة معماريات عشوائية لم يتبق منها الا الظلال والاجزاء والمخططات الارضية . إنها أمكنة يعيش فيها المرء ويغادرها ، كأنه مرّ مرورا ، فما من كيان ثابت ومحدد لها ، لكنها مثل ما يطوح المرء اشارة من يديه الى الخلف : هناك! 

ما يظهر في هذه التجربة اختزالات امكنة ، ومسافات ، وبيوت موقعة على أنسجة متعددة ، تبدو فيها المخططات الارضية سككاً ، خطوطاً ، لا تعرف إن كانت تخرج منها أو تؤدي اليها ، لكنها بالتأكيد كفّت عن أن تكون مكانا للعيش ، بل ذكرى عيش ، ذكرى رحيل ، وأشياء عابرة قبضنا عليها اثناء تحركنا . وباختصار لا يمسك الفنان منها غير الشظايا ، وهو غير واثق منها الا بوصفها حركة خرجت من مراكز محترقة ، وعودة اليها ، والتفافات حولها ، وحنين اليها لا ينتفع من عودة ، بل يكتفي برسم خريطة رمزية للطرق التي تفضي اليها. 

العديد من اعماله توقّع تلك المراكز المحترقة في الوسط . يبدو هذا التموقع مناسبا للتحليل النفسي الذي أجراه الفنان . فالمركز الوسطي ، برغم من اصطلاحيته ، هو القلب . قد نختلف معه في هذا ، ما دمنا نتحدث عن حطام ، لكن في التجربة العاطفية للفنان ، يصح الحديث عن قلب محطوم . إن الموقع المكاني يستبدل بدليل بيولوجي وعاطفي . إن القلب مشغول ومهموم بالرغم من انه يضخ الحياة . إنه محطوم مرتين، كمكان ، أي مدينته التي لم يعد يستطيع تحديد موقعها تماما . وكقلب العاشق الذي يسعى للنسيان فترتد عليه الذكرى . 

الدلالات تتكاثر وتستبدل مثل الرموز والتعبير بالكلمات . فهناك من جهة جهة المكان المستقر في قلب ذاكرته، ومن جهة هذا الموقع الذي يضع اصابعه عليه ليقيس نبضه المتسارع من جهة عضويته البيولوجية المهددة . إنها خيارات عاطفية في النهاية. 

والحال أن التنفيذ الفني سيعالج اصطلاحية الموقع المركزي على نحو يظهرها بصور متنوعة، فهي ستبدو ثقباً ، وسجناً ، ومكاناً قديماً محترقاً ، ومكاناً محاطاً بسلك ، أو معلّما بعلامات . وقد تتوسع علاماته والاسلاك التي تحيطه باحتلال مساحات أخرى . الاكثر أهمية هو ان الفنان الذي يعدد من هذه المظاهر ، يستخدم تقنيات مختلفة ، كالتلصيق المتعدد الذي يضفي ثخنا وبروزا واضحا ، او الصاق أخشاب بما يمنح هذه المراكز بعدا نحتيا. وعلى الرغم من أن المعالجة الفنية أمعنت في تأكيد هذه المواقع بألوان وأنسجة درامية ، بيد أنها لم تبد غريبة عن النسيج العام للعمل الفني بمجموعه .

في هذه التجربة يلتقي دلير بإمكانات تعبيرية جديدة ، فلوحته المتشكلة من مخاريط خشبية هي تأكيد اضافي ، لكنه مختلف ، للتنظيم المعماري . ولعلّ هذه التجربة التي نفذها بالكثير من الصبر قد تشكل اشتقاقا جديدا لعمل فني يتخذ من التكرار تعويضا عن اختلاف الانسجة الذي ميز عمله حتى الآن . 

إن من ميزات تجربة الفنان دلير شاكر عنايته بتقديم نسيج متعدد ، من حيث اللون ، والتلصيق ، واستخدام مواد مختلفة ، ورقية وخشبية ، ومشاهد من رسوم فوتغرافية جاهزة . وأعتقد أن انجازه بهذا الشأن أضفي الحيوية على اعماله وشدّ مساحاتها ووحدها. 

سهيل سامي نادر