حينما يكون الوطن بيتا افتراضيا جدلية العمارة الفنتاسية في عرض الفنان دلير شاكر الجديد - علي النجار

وسط عالم طارد لكل ما ينتمي لخبايا الروح التي ازدادت هشاشتها تحت ضغط الوسائل(الرسائل الاشارية التقنية الصرفة) التي تدرب عليها زمنيا الجيل الفني الجديد. تقبع نوايا اقتحام المجهول الفني. ليس كما الأسلاف. بل كما هي اختراقات العصر الذري الذي يخبئ مفاعيل ذراته خلف بهرجة الخطاب السبراني الذي يخترق قشرة أدمغتنا, أو يختمها بختمه الخفي. لا معقولية أزمنة الفرجة المبهرجة. هي تفاعلات سرية لا تكتشفها سوى العين الساخرة للفصحاء منا. وليس سوى السخرية منفذا للتواصل بأدنى شروطه, التي هي مطلوبة الآن.


لقد بات الخطاب الفني, ضمن هذا السياق لغزا, لكنه قابل للفرجة. بمعنى ما, فان أعمال فنان اليوم صنعت أساسا للفرجة. لكنها فرجة من نوع آخر. حيث العين أداة رصد, والذهن أداة التقاط. وما بينهما من وسيط هو الذي يمثل أمامنا شاخصا. الفنان(دلير سعد شاكر) يفضله شاخصا لا يمت للتشخيص الجسدي إلا بحدود حواضنه الأكثر اغترابا, أو التباسا. لقد استعاض عن الجسد الإنساني بجسد بيئة اغترابية تتعثر بخطوط وأبراج تضاريس سطوحها التي تناور للكشف عن خفايا طبقاتها الجيولوجية, ليست كما البيئة الطبيعية, بل بما اصطنعه من بيئة بديلة. بعناصرها الاغترابية وموادها المصنعة. وبروح خفايا الاداء الفني. وما بين الروح والصنعة, صنع لنا إيقوناته الحفرية الاغترابية المتدثرة بجماليات سطوحها. وليس غريبا عليه, وهو القادم من عالم الفخار والخزف. حيث الجسد الطيني رخوا أو صلبا. مثلما زهو ملونة الزجاج الأثرية آو المعاصرة. وحيث الاداء المعاصر الذي يلغي حدود الحرفة التخصصية الفريدة لصالح التجريب المعاصر المتعدد الوسائط.
دلير تدرب على تقنية البناء والحفر والتشكيل بالمواد الصلبة, لكنها المطاوعة. تعلم الصبر في اكتساب مهاراته الأدائية. والصبر على الحصول على النتائج المرضية. والتي هو من شروط التعلم المهنية الأساسية لبلوغ النضج الفني. ثم مارس حرفته الفنية, بوسائطها الجديدة. ضمن هذا الولع الأدائي الخاضع لشروط تنفيذه التي تطاوع تصوراته الإخراجية وتتابعها حتى النهاية التي لا تعادلها نهاية أخرى. لقد مسكت مخيلته على أدواته التنفيذية وأطلقتها ضمن حقل تجاربه المعملية وبدون أن تزوغ عن الهدف المتصور ضمن زحمة التفاصيل المقترحة. بذلك أعلن انتمائه للجيل الفني التشكيلي الحفري العراقي. لكنه تمرد على المتداول من تفاصيله الاشارية المألوفة. إلا في حدود دنيا توفر له هاجس التفرد, أو التمرد على مألوفة أعمال هذا الجيل الجمعي التي فقدت بريقها الاستكشافي بمرور الزمن. وكما اعتقد فان أعماله, و كما هي بناءات على السطح, تسعى لاكتساب تفردها بعلامات إضافية ضمن مساحة مناورة المألوف بلا مألوفة جديدة. بالتأكيد هي حصيلة جهد شخصي يحاول التمرد على الوسط الحاضن الأوسع لمثل هذه الاداءات بمظهريتها العامة.
اعتقد أن أعمال دلير ما هي إلا نموذج للعمل الفني الذي يكرس سطح العمل حقل تجارب لجلد الذات ممرا للوصول الى منطقة تأمل تحاول أن تخضع لشروط قساوة هذا الجلد. انه, وفي بعض أعماله, يحاول أن يقشر السطح بحثا عما يعتمل خلفه لا أمامه. هو إذا يبحث عن المخبوء في الظاهر. ولا يظهر إلا ما أضمره. مشهد معفر بجغرافيته, لا بتواريخه. لقد أقصى التاريخ و موبوءاته, لصالح خبايا هي أكثر صلابة من الكلمات وحروفها التي ذهبت مع أول هبة للريح. هو يفضل الإمساك, اللمس, التوغل. على
الهمس. بما انه سليل تلك الرقم الطينية التي لم تندرس. فقد حفظ الدرس, ليصنع لنا رقمه الخاصة التي تنزلت, ثم تنزهت من الأثر. ولا اثر إلا ما تحفره ملصقاته المعفرة بلون الأرض وفصولها. لا السماء وفضاءاتها. هو إذا ابن الأرض التي يحرثها, أو يقشطها, أو يغرس خطوطه الصلبة في أديمها. أعماله كالمرمر المستخرج من رحمها. وهي الأديم. هي شظايا أو رذاذ حبات الرمل المطيفة شمسيا. لكنه, وفي هذه الأعمال الجديدة, يحاول مد خيوطه, مسالك حرث فضائية تنغرز أو تعوم فوق السطح علامات سكن افتراضية, متقاطعة مصائرها.
في اكتشافات العديد من الفنانين التشكيليين العراقيين. ولمدة عقدين, إن لم تكن أكثر. توحد العالم المادي والروحي, وبأثر رجعي غالبا. ولينتج لنا أعمالا فنية ترنو للهاجس الروحي من خلال قشرة المادة, لا صلبها. ما عدى تجربة واحدة فريدة. تجربة مغتربة معروفة, حاولت سبر العالم المادي فنيا, لكن بأدوات علمية. دلير شاكر هو الآخر ينتمي لهذا الاتجاه الفني المعملي. لكن اختلافه يكمن في اللعب على مفاعيل حصيلته الدراسية الفنية, ثم المهنية, كما أسلفت. وهو, ومن هذا المنطلق, حاول جهده تشييد عالمه الصوري الخاص. لكن تبقى المفارقة في أن مفردة العالم الصوري المعاصرة دائما ما تحيلنا الى الصورة العولمية التي امتهنتها أدوات الميديا. وبما أن دلير لم يقترب أو يمس هذه الأدوات الصورية الميديوية. لذلك فانه خلق صورته الأخرى, الصورة المضادة. ليست كما الصورة الواقعية الشبحية أو السبرانية الشبكية. بل الصورة التي شكلتها موادها الصلبة بتراكم طبقاتها وتفاعل موادها ودهاناتها. احياز صلبة تخترق الفضائات بثباتها حتى لتبدو كأنها أنصاب جداريه زاخرة بحراك إضافاتها وتراكماتها. كما إنها غالبا ما تحيلنا الى فضائات السطح المعماري.
معمارية أعمال دلير سواء بمرجعياتها الحداثية أو التفكيكية الافتراضية المعاصرة, لا تفقد طابعها التشكيلي, سواء إن كانت وحدات مستقلة أو متجاورة. هو يحتكم الى انتماءاته الفتنازية. لا كخيالات. بل كادراكات بصرية للعب على مفردات سطوحه باختراقات هندسة وحداتها أو بناءاتها أو احفوراتها. هذا المنحى ألتفكيكي في بعض من أعماله الأخيرة لا يخفي وضوحه, ضمن مسعاه من اجل القبض على مجمل مساحة العمل. ثم محاولة الحد من سطوة تراكماته التي تبلغ أحيانا هجر هذا السطح لصالح هذه الإضافة. أو الإضافات. انه يصنع مركبه(بأبعاده الثلاث) أحيانا على حساب سلطة السطح. من اجل خلق صورة أخرى تضاف الى صوره التي تحاول إدراك جيولوجيا العمل نفسه. ولا يسعنا إلا نحسن استقبال اقتراحاته الإبداعية التي لا تخفي انتمائها لمحيط ادراكاتنا البيئية ومعمارية فضاءاتها الملتهبة.
........................................................................................................................

الوطن عمارة شاهقة تراوغ الإمساك بتفاصيلها الظاهرة والباطنة. والفطن, هو وحده, من يستطيع الإمساك ولو بالحد الأدنى من تفاصيلها الحميمة. دلير, وضمن محاولاته التفكيكية, يحاول في هذه الأعمال القبض على ملامح الهيكلية الصلبة لتداعيات الواقع الافتراضي لمشهدية سكنه الاغترابي. بعد أن أعييته السبل في ولوج قشرته الصلبة حتى عمق دهاليزه التي تراوغ الإمساك بها. هذا السلوك, وحتى لو كان افتراضيا, هو بالذات ما يشكل علة محنة الاغتراب ونواته الصلبة. وبالرغم من أن الفنان يناور, مقتربا بقدر, ومفترقا بقدر. لكنه وضمن كل ذلك, لا يزال يراكم جدران وحدود منازله التي لا تزال معلقة ما بين وهم, وواقع يراوغ الإمساك باسيجة حدوده. اسيجة مهددة بعصف زوالها. لا تشفع لها كل ثبات خطوط هندسة هياكلها وسطوحها الصلبة التي اجتهد الفنان في تثبيتها علامات حدودية عازلة. لقد اخترقها الفعل الاغترابي من جميع جهاتها, غير عابئ بمصائرها. لكنه في نفس الوقت وهبها لنا تذكارات ليس من السهولة التغاضي عن إيحاءات إشاراتها الوجدانية. أعماله تبطن فعلا استباقيا لمصالحة الذات ومحيطها. عبر زمن رحلة الحياة وهي في مسعاها لان تفتح لنا أفاقا جديدة لسكن الروح والذات. زمن فني, هو أيضا لا يحاول طمس إشاراته الإيحائية, من اجل أمل للخلاص وتطهير الذات من أدرانها. وحده الفن, لونا وجسدا قابلا عن الإفصاح عن خبايا كل ذلك. هذا ما توعدنا به هذه الأعمال. ويكفي الوعد ممرا لأزمنة جديدة, أكثر إشراقا.
.........................................................................................................................
علي النجار
عمان ـ 2012ـ03ـ24